شعيب خميس/مشاهد بريس
في حادثة أليمة هزت أحياء مدينة سطات، وجدت شابة في الرابعة والعشرين من عمرها نفسها وحيدة في مواجهة معاناة نفسية قاسية، لتنهي حياتها شنقًا بالقرب من مدرسة طارق ابن زياد بحي سيدي عبد الكريم (دلاس). الحادثة التي انتشر خبرُها كالنار في الهشيم، أثارت موجة من الحزن والاستنكار، وفتحت الباب أمام أسئلة ملحّة عن دور الأسرة والمجتمع في دعم الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية صامتة.
بحسب مصادر محلية، عُثر على جثة الشابة في منزل مجاور للمدرسة، حيث قامت بإزهاق روحها في خطوة مُفجِعة سببت صدمةً لأهالي الحي. وعلى الرغم من عدم الإفصاح عن هويتها تفاديًا لإثارة الجدل حول ظروف عائلتها، إلا أن مصادر مقربة أكدت أن الفتاة كانت تعيش ظروفًا اجتماعية صعبة، دون تفاصيل دقيقة تُذكر. وقد باشرت السلطات الأمنية تحقيقاتها الأولية، بينما تم نقل الجثة لإجراء التشريح الطبي الذي أكد سبب الوفاة.
المجتمع بين الصدمة والاتهامات: “لو كان أحدٌ بجانبها..”
تحوّل مكان الحادثة إلى نقطة تجمّع الساكنة الذين عبّروا عن حزنهم الممزوج بالغضب. تقول إحدى الجارات: “الكل هنا يعرف بعضه، لكن لا أحد يعرف ماذا يدور في قلوب الشباب. كم من شخص بيننا يصرخ من الداخل ولا ننتبه؟”. بينما انتقد آخرون ثقافة “الوصمة” التي تمنع الكثيرين من طلب المساعدة خوفًا من الحكم المجتمعي، خاصة في قضايا الصحة النفسية التي لا تزال تُعتَبر تابوهًا في مناطق عديدة.
الصحة النفسية في المغرب: أرقام صادمة وحلول غائبة
بحسب آخر تقرير لوزارة الصحة المغربية (2022)، فإن 48.9% من المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية بدرجات متفاوتة، بينما لا يتجاوز عدد الأخصائيين النفسيين 600 خبير على مستوى البلاد، أي بنسبة خبير واحد لكل 60 ألف مواطن! أرقامٌ تكشف فجوة هائلة بين الاحتياجات والخدمات المتاحة، خاصة في المناطق غير الحضرية حيث تكاد المراكز المتخصصة تكون معدومة.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور عمر الزيات، أخصائي نفسي في مدينة الدار البيضاء: “الانتحار ليس قرارًا لحظيًا، بل نتيجة تراكمات قد تمتد لسنوات. غياب الدعم الأسري، الفقر، البطالة، والعنف بأشكاله عوامل تزيد من خطر الوصول إلى نقطة اللاعودة. نحتاج إلى خطط وقائية تعتمد على التوعية داخل المدارس والأحياء، وتوفير مراكز استماع مجانية”.
مدرسة طارق ابن زياد: دروسٌ خارج المنهج
لم تكن مدرسة طارق ابن زياد مجرد موقع جغرافي للحادثة، بل أصبحت رمزًا لضرورة إدماج التربية النفسية في المنظومة التعليمي حيث اصبح “التلاميذ يسألون عن ما حدث، وكيف لشابة أن تصل لهذا الحد. هذا يجبرنا على التفكير: هل نعلّم أطفالنا كيف يواجهون الأزمات؟”.
في المقابل، يطالب نشطاء محليون بتحويل المأساة إلى فرصة لإطلاق حملات توعوية بالتعاون مع جمعيات المجتمع المدني، وإدراج جلسات الدعم النفسي ضمن الأنشطة المدرسية.
كيف نمنع تكرار المأساة؟
- خلق شبكة دعم مجتمعي: تأسيس مجموعات دعم في الأحياء لتقديم المساعدة الأولية لمن يعانون.
- كسر الصمت: تشجيع الحوار حول الصحة النفسية عبر وسائل الإعلام والمنصات الدينية.
- خطوط ساخنة مجانية: توسيع نطاق خدمات الخطوط الهاتفية المجهولة لدعم اليائسين.
- تمكين الجمعيات: دعم الجمعيات المحلية ماديًا ولوجيستيًا للوصول إلى الفئات الهشة.
رحلت الشابة وهي تحمل أسئلة لن تجيب عنها إلا بوعي المجتمع. ففي الوقت الذي تُختَزل فيه قضية الانتحار أحيانًا في “ضعف إيمان” أو “إحراج للعائلة”، تذكّرنا هذه المأساة بأن الإنصات لصرخات الآخرين قد يكون سببًا في إنقاذ حياة. فلنجعل من أزقة سطات وأحيائنا كلها فضاءً للحياة، لا للموت.