
شعيب خميس/مشاهد بريس
في الأسابيع الأخيرة، هزت مدينة سطات موجة من الحوادث المأساوية التي تُوجت بوفاة شابة في مقتبل العمر بحي سيدي عبد الكريم، لتُضاف إلى سلسلة حالات انتحار أو محاولاته التي طالت شباباً من أحياء مختلفة. هذه الأحداث ليست مجرد أرقام تُذكر في تقارير عابرة، بل هي صرخات استغاثة تُعبِّر عن أزمات عميقة تُهدد النسيج الاجتماعي، وتستدعي وقفة جادة من الجميع: أسراً، مجتمعاً مدنياً، وحكومةً.
ماذا يحدث في سطات؟
لا تُختزل الظاهرة في حادثة أو اثنتين، بل أصبحت تُشكّل نمطاً مقلقاً، خاصة بين الشباب الذين يُفترض أنهم عماد المستقبل. تقارير محلية تشير إلى تزايد الحالات في أحياء شعبية ووسط فئات عمرية هشة، ما يُثير تساؤلات عن الأسباب الخفية التي تدفع بشاب أو فتاة إلى إنهاء حياتهم بطرق مُروعة. هل هي البطالة التي تجاوزت 20% بين الشباب حسب إحصائيات رسمية؟ أم انهيار القيم الأسرية الداعمة؟ أم غياب آليات الدعم النفسي في مجتمع لا يزال ينظر إلى الاكتئاب والقلق كـ”عيب” يجب إخفاؤه؟
الحقيقة أن العوامل متشابكة: اقتصادية، اجتماعية، ونفسية. فشباب سطات، مثل أقرانهم في مدن مغربية أخرى، يعيشون في دوامة من الإحباط بسبب محدودية الفرص، وغياب الرؤية المستقبلية، وضعف البنى التحتية للترفيه والتوجيه. وفي غياب خطاب مجتمعي أو حكومي يعترف بهذه المعاناة، يجد الكثيرون في الانتحار مخرجاً من عنق الزجاجة.
المجتمع جزء من الحل… إن أراد
حيث من السهل أن نحمل الضحية مسؤولية اختياره، أو نلقي باللوم على “ضعف الإيمان”، لكن هذا النهج التبسيطي يُفاقم الأزمة. في الثقافة المغربية، يُعتبر الحديث عن الصحة النفسية من المحرمات، مما يدفع المعانين إلى الصمت حتى ينفجر اليأس. هنا، يجب أن تبدأ التغييرات:
- تفعيل مراكز الدعم النفسي المجاني: بالتعاون مع المختصين والمجتمع المدني، مع ضمان السرية واحترام الكرامة الإنسانية.
- حملات توعوية: لتغيير الصورة النمطية عن الأمراض النفسية، وإزالة الوصمة الاجتماعية، خاصة في الأحياء الشعبية.
- إشراك الأئمة والقيادات المحلية: في نشر خطاب ديني إيجابي يركز على قيمة الحياة والتضامن، بدلاً من التوبيخ.
- خلق فضاءات للشباب: مراكز ثقافية، ورشات فنية، وبرامج رياضية تُعيد لهم الأمل وتستثمر طاقاتهم.
لا يكفي أن تكتفي الجهات الرسمية بإصدار بيانات إحصائية أو وعود عامة. آن الأوان لاعتماد استراتيجية وطنية للوقاية من الانتحار، تشمل:
- تدريب الأطباء والمعلمين على اكتشاف العلامات التحذيرية.
- إدراج الصحة النفسية في المنظومة التعليمية.
- دعم الجمعيات المحلية العاملة في الميدان، مثل مبادرة “يداً بيد” التي تُقدم الاستشارات النفسية مجاناً بسطات.
قبل أيام، رحلت شابة من حي سيدي عبد الكريم، لكن قصتها يجب ألا تذهب سدى. كل حالة انتحار هي فشل جماعي، وكل محاولة هي جرس إنذار. لن نمنع هذه الظاهرة بالصمت أو الإنكار، بل بخطوات عملية تُعيد للشباب ثقتهم بأن الحياة تستحق أن تُعاش، حتى في ظل الصعوبات.
الوقت يحترق، وسطات تستحق أكثر من أن تكون مدينة تُحصي ضحايا اليأس.