شعيب خميس/ مشاهد بريس
في ضربة قضائية تُعزز مسيرة محاربة الفساد في المغرب، أصدرت غرفة الجرائم المالية بمحكمة الاستئناف في الرباط أحكاماً قضائية نافذة بحق ثمانية أشخاص، بينهم مسؤولون أمنيون كبار، في قضية اهتزت لها أركان المؤسسات الأمنية. الحكم الذي شمل مدير المدرسة الملكية للخيالة التابعة للأمن الوطني، وعميدَي شرطة، وأربعة مُقاولين، كشف عن شبكة فساد استغلت المال العام في صفقة استيراد خيول مريضة بقيمة مالية خيالية، وسط تزويرٍ منهجي للوثائق.
بدأت القصة عندما تقدم المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف حموشي، بشكاية قضائية طالب فيها بفتح تحقيقٍ عاجلٍ حول عمليات شراء مشبوهة لخيول مُخصصة لفرق مكافحة الشغب. أحيلت القضية إلى المكتب الوطني لمكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية (التابع للفرقة الوطنية للشرطة القضائية)، حيث كشفت التحقيقات عن:
صفقة استيراد 21 حصاناً من بلجيكا وهولندا بسعر 50 مليون سنتيم (500 ألف درهم) للحصان الواحد، وهو سعرٌ يفوق السوق العالمي بأضعاف.
وجود مخالفات جسيمة في المواصفات الصحية للخيول، حيث تبين إصابتها بأمراض تُعيق استخدامها عملياً.
تزوير وثائق وشهادات صحية لتغطية عيوب الخيول، وإخفاء حقيقة قيمتها الفعلية.
الأطراف المتورطة: من المسؤولين إلى المُقاولين
- المسؤولون الأمنيون:
مدير المدرسة الملكية للخيالة: حُكم عليه بالسجن النافذ 3 سنوات ونصف بتهمة “اختلاس أموال عمومية”، و”تزوير الوثائق التجارية”.
عميدا الشرطة: حُكم عليهما بسنتين ونصف بتهم التواطؤ في الصفقة وإساءة استخدام السلطة. - المقاولون الأربعة: حُكم عليهم بسنتين سجناً لدورهم في تنفيذ الصفقة عبر شركات وهمية، وإعداد شهادات مزورة.
وفقاً لوثائق المحكمة، اعتمد المتورطون على:
رفع سعر الخيول إلى 500 ألف درهم للحصان (رغم أن قيمتها الحقيقية لا تتجاوز 100 ألف درهم).
تورط مقاولون في إصدار شهادات صحية مزورة تُثبت سلامة الخيول، بينما كانت تعاني من أمراضٍ تُهدد أداءها في المهام الأمنية.
إخفاء الحقائق: باستخدام مناصبهم الأمنية لإعاقة الرقابة على الصفقة، والضغط على الجهات الفنية لتجاوز المخالفات.
لقد أكد الحكم الصادر عن غرفة الجرائم المالية في الرباط على عدة مبادئ، منها:
- عدم الحصانة للمسؤولين مهما علت مناصبهم.
- تشديد العقوبات على جرائم تبديد المال العام، خاصةً عندما تُهدد الأمن الوطني (كاستيراد خيول غير قادرة على تنفيذ مهام مكافحة الشغب).
- اعتماد الأدلة المادية (مثل التحاليل البيطرية للخيول والتحقيق في التحويلات المالية) كأساس للإدانة.
تداعيات القضية: دروسٌ لمستقبل الشفافية
- تعزيز ثقة المواطن: إثبات أن المؤسسات القضائية قادرة على محاكمة كبار المسؤولين.
- الكشف عن ثغرات: ضرورة تعزيز الرقابة على صفقات المؤسسات الأمنية، وربطها بآليات تدقيق خارجية.
- إشارة تحذير: تصعيد الحملات ضد الفساد المالي في إطار “الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الرشوة” التي أطلقها المغرب.
إن قضية “خيول الأمن الوطني” ليست مجرد حكمٍ قضائي، بل علامةٌ على تحولٍ جذري في التعامل مع الفساد المؤسساتي. فالقضاء، بدعم من شكاية المدير العام للأمن الوطني نفسه، أثبت أن حماية المال العام مسؤولية جماعية، وأن التستر على المخالفات لم يعد خياراً في ظل آليات رقابية متطورة. هذه القضية قد تكون بوابةً لمحاكمات أخرى تُطهّر المؤسسات من أشباح الفساد.