الخبير السوسيولوجي والتنمية من الهامش إلى الضرورة

2025-02-24T11:07:54+00:00
2025-02-24T11:07:58+00:00
كتاب الرأي
Bouasriya Abdallahمنذ 12 ثانيةwait... مشاهدةآخر تحديث : منذ 12 ثانية
الخبير السوسيولوجي والتنمية من الهامش إلى الضرورة
الخبير السوسيولوجي والتنمية من الهامش إلى الضرورة

بقلم : زينب أعرارة طالبة باحثة في سوسيولوجيا التنمية المحلية‬

لطالما كان دور الخبير السوسيولوجي في البرامج التنموية هامشيا وثانويا، إذ لم يكن يُنظر إلى خبرته كعنصر جوهري في بلورة السياسات العمومية والمشاريع التنموية. فقد كانت المعارف السوسيولوجية تُعد مفرطة في التنظير وغير قابلة للتطبيق في المجال التنموي الذي ظل يهيمن عليه الاقتصاديون والتقنيون. غير أن التحولات العميقة التي شهدتها المجتمعات وفشل العديد من البرامج التنموية، فرضت إعادة النظر في هذا التصور التقليدي، وجعل الحاجة إلى الخبير السوسيولوجي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.‬
‪ ‬
عرف مفهوم الخبرة نفسه تطورا ملحوظا، أدى إلى قطيعة إبستيمية بين خبرة “ما قبل القرن العشرين”، التي كانت تعتمد على التجربة المتراكمة دون تحليل علمي دقيق، وخبرة “ما بعد القرن العشرين”، التي أصبحت مُؤسَسة على البحث الميداني والتحليل المنهجي. لذلك فإن كل ما قيل عن الخبرة قبل هذا التحول لايعبر بالضرورة عن المفهوم الحالي.
الخبرة ليست مجرد عملية تحليلية، بل هي عنصر فاعل في اتخاذ القرارات. فالخبير لا يقتصر دوره على تقديم المعلومات فقط، بل يطرح مجموعة من الاختيارات بناءً على معطيات علمية. بينما يبقى صانع القرار هو المسؤول عن تحديد أي اختيار سيتم اعتماده. إلا أن هناك إشكالا يطرح نفسه، وهو أن بعض النتائج أو الخيارات التي يقدمها الخبراء قد لاتكون بالضرورة معرفية وعلمية، بل خاضعة لآليات تسليع المعرفة، وهو ما يؤثر على استقلالية الخبرة‪.‬

أكدت التطورات الأخيرة في مفهوم الخبرة على أهمية المعرفة السوسيولوجية في تقديم تفسيرات معمقة للظواهر الاجتماعية المعقدة التي تؤثر على التنمية. وبالتالي أصبح واضحا أن الفشل في تحقيق التنمية المستدامة غالبا ما يرتبط بإهمال العوامل الاجتماعية والثقافية التي تؤثر على تفاعل الأفراد مع المشاريع التنموية. في هذا السياق، برز دور الخبير السوسيولوجي الذي يمتلك أدوات تحليلية تتيح له دراسة الظواهر الاجتماعية من زوايا متعددة، مثل البعد الثقافي، القيمي، والإنساني مما يجعله عنصرا أساسيا في إنجاح البرامج التنموية‪.‬

أصبحت الخبرة جزءا أساسيا في مختلف هياكل ومؤسسات التنمية، حيث لم يعد بالإمكان وضع سياسات تنموية دون الاعتماد على خبراء متخصصين. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: “ما هي الخبرة التي نحتاجها؟” فوجود الخبراء وحده لا يكفي لضمان جودة القرارات، بل يجب أن تتوفر معايير واضحة لتقييم تدخلاتهم. وبالتالي فإن السؤال الأساسي ليس فقط حول أهمية الخبرة، بل يتعلق كذلك بالمعايير التي يجب اعتمادها لتقييم تدخلات الخبراء. وكما أشار الباحث السوسيولوجي نور الدين لشگر في كتابه “في سوسيولوجيا الخبرة والخبراء” فإن تحديد هذه المعايير ليس أمرا هينا، بل يتطلب تراكما معرفيا وممارسة مستمرة تضمن تطوير القدرات التحليلية للخبير.

لايقتصر دور الخبير السوسيولوجي فقط على تقديم بيانات رقمية أو تحليلات كمية، بل يمتد عمله إلى فهم العوامل الثقافية والقيمية التي تتحكم في سلوك الأفراد والمجتمعات. فالتنمية ليست مجرد تحسين للبنية التحتية أو رفع معدلات النمو الاقتصادي، بل هي عملية معقدة تتطلب فهما دقيقا للعلاقات الاجتماعية، أنماط التفكير والعوائق الثقافية التي قد تحول دون نجاح المشاريع. على سبيل المثال، يمكن أن تفشل مبادرة صحية في منطقة معينة بسبب اعتقادات ثقافية راسخة تحول دون قبول التلقيح أو العلاجات الطبية الحديثة مثلا. هنا، يتدخل الخبير السوسيولوجي لفهم هذه العقبات واقتراح استراتيجيات تواصل فعالة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية للسكان المحليين.‬
إلى جانب قدرة الخبير السوسيولوجي التحليلية، فإنه يلعب كذلك دور الوسيط بين صناع القرار والمجتمعات المحلية. فغالبا ما تُصاغ السياسات التنموية من منظور إداري وتقني (من الأعلى الى الأسفل)، دون مراعاة الحاجات الحقيقية للمجتمع. وهنا تظهر أهمية تدخل الخبير السوسيولوجي لضمان أن تكون هذه السياسات واقعية ومبنية على فهم عميق للمجتمع المعني.‬
فعلى سبيل المثال، في مشاريع إعادة إسكان السكان من مناطق غير مهيكلة، قد يركز المهندسون والمخططون على الجوانب العمرانية فقط، في حين أن السوسيولوجي ينبه إلى أهمية الحفاظ على النسيج الاجتماعي وروابط الجوار مثلا، مما يجعل عملية الانتقال سلسة ومقبولة من طرف السكان.‬
إنه وبالرغم من أهمية الخبرة السوسيولوجية في التنمية، إلا أن هناك العديد من العوامل التي تعرقل تطورها، وقد تطرق لها “نور الدين لشگر” في كتابه الذي سبق لنا ذكره، نذكر بين هذه العوامل:

  • التعريب غير المدروس وضعف التكوين في اللغات.‬
  • ضعف التأطير والتكوين العلمي للخبراء.
  • الأفق الضيق الذي يجعل بعض الخبراء يتعاملون مع الظواهر بشكل محدود.‬
  • المحسوبية في اختيار الدراسات والخبراء.
  • الابتعاد عن الميدان وعدم الاعتماد على البحث العملي.
  • انتشار “الخبرة بالنيابة” أي توكيل مهام الخبرة إلى أشخاص غير مؤهلين.
    إضافة إلى ذلك، هناك إشكالية تتعلق باستقلالية الخبرة، حيث يمكن أن تخضع لبعض الضغوط السياسية أو الاقتصادية، مما يؤثر على مصداقيتها. فالخبير السوسيولوجي الكفء لا يقتصر على تطبيق معرفته النظرية فحسب، بل يدمجها في ممارسته التقنية والمهنية بنزاهة، مع مراعاة الأبعاد السوسيوأخلاقية حتى لا تتحول الخبرة إلى مجرد أداة بيروقراطية تؤدي إلى الاحتقان الاجتماعي والسياسي.

وبالتالي فقد انتقل دور الخبير السوسيولوجي من الهامش إلى صلب العملية التنموية، حيث أصبح دوره لا غنى عنه لضمان نجاح المشاريع واستدامتها. فالتنمية ليست مجرد أرقام وسياسات، بل هي عملية اجتماعية معقدة تتطلب فهما عميقا للمجتمع بكل أبعاده الثقافية، القيمية، والإنسانية. من هذا المنطلق، ينبغي تعزيز حضور الخبرة السوسيولوجية في مراكز اتخاذ القرار، وضمان أن يكون لها دور فاعل في بلورة استراتيجيات تنموية ناجحة ومستدامة.

إن الخبرة السوسيولوجية لم تعد ترفا أكاديميا أو سياسيا، بل أصبحت ضرورة في رسم سياسات تنموية فعالة. لكن لضمان فعاليتها يجب تطوير معايير واضحة لتقييمها والتأكد من نزاهتها وصرامتها العلمية، حتى لا تتحول إلى مجرد أداة شكلية تُستخدم لتبرير قرارات مسبقة. في النهاية، وكما يؤكد الباحث “نور الدين لشگر” فإن الخبرة هي التي تجيب عن السؤال الجوهري: “ما فائدة المعرفة إذا لم تساهم في التنمية؟”

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.